القاضي عبد الجبار الهمذاني
43
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال سائلا في الكلام الأول : أليس إقامة الحد من الإمام تكون لطفا - إما له أو لغيره - وقد ضاعت هذه الألطاف ، وبطلت لفقد الإمام في هذا الزمان . وقد يجوز أيضا في الإمام عندكم أن يعصى فلا يقيم الحد ، لأن من قولكم إنه لا يجب أن يكون معصوما ، وتجوّزون عليه الخطأ على وجه يظهر وعلى وجه لا يظهر . وهذا يبطل قولكم : بأنه لا بدّ في اللطف من بدل ؟ . قيل له : إنه تعالى يعلم أحوال المكلفين إلى آخر الأبد . فإذا صح ذلك ، وعلم في بعض الأزمان أنه لا إمام يحصل فيه ، فغير ممتنع أن يقال إنه ليس في المكلفين في ذلك الزمن من المعلوم من حاله في إقامة الحد أنه لطف له ، ومتى كان في بعض الأزمان وأخطأ في إسقاط الحد فكمثل ، وإذا لم يمتنع ذلك فقد سقط ما سألت عنه . فإن قال : أليس كان الواجب عليه أن لا يخطئ فيقيم الحد ، ولو لم يكن لطفا لوجب أن يخرج من أن يكون واجبا عليه ؟ قيل له : إذا كان إنما يكون لطفا لغيره ، لم يمتنع أن يتغير حال كونه لطفا بحسب الشرائط . فإذا كان المعلوم أنه على بعض الشرائط يكون فعله لطفا لا محالة ، وإذا تغير الحال لم يكن لطفا . واعلم أن شيخينا ، رحمهما اللّه ، قد اختلفا في ذلك . فمن قول أبى على رحمه اللّه : إن إقامة الحد لطف في باب الدين ، ويقول في الجواب عما ذكرناه بأنه تعالى يفعل ما يقوم مقام إقامة الحد من الإمام ؛ لأن ذلك الحد من فعل غيره فيه . فإذا كان كذلك ، لم يمتنع أن يقوم مقامه ذلك القدر من الآلام أو الغموم إذا أنزلها تعالى به أو أحدها .